عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

523

اللباب في علوم الكتاب

منه التثبيت ، والمعنى : إن حصلوا دينا آخر مثل دينكم ، ومساويا له في الصحة والسداد ، فقد اهتدوا ، ولمّا استحال أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في الصواب والسّداد استحال الاهتداء بغيره ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه : هذا هو الرأي الصواب ، فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به ، وقد علمت أن لا أصوب من رأيك ، [ ولكنك تريد تثبيت صاحبك ، وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه ] « 1 » . وقيل : إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف ، فإن آمنوا بمثل ذلك ، وهو التوراة من غير تصحيف وتحريف ، فقد اهتدوا ؛ لأنهم يتوصّلون به إلى معرفة نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم . وقيل : فإن صاروا مؤمنين بمثل ما به صرتم مؤمنين ، فقد اهتدوا . و « ما » في قوله : « بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ » فيها وجهان : أحدهما : أنها بمعنى الذي ، والمراد بها حينئذ : إما اللّه - تعالى - بالتأويل المتقدم عند من يجيز وقوع « ما » على أولي العلم نحو : وَالسَّماءِ وَما بَناها [ الشمس : 5 ] . وإما الكتاب المنزل . [ والثاني : أنها مصدرية ، وقد تقدم ذلك . والضمير في « به » فيه أيضا وجهان : أحدهما : أنه يعود على اللّه - تعالى - كما تقدم ] « 2 » . والثاني : أن يعود على « ما » إذا قيل : إنها بمعنى الذي . قوله : « فَقَدِ اهْتَدَوْا » جواب الشرط في قوله : « فَإِنْ آمَنُوا » ، وليس الجواب محذوفا ، كهو في قوله : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ [ فاطر : 40 ] ، لأن تكذيب الرسل ماض محقق هناك ، فاحتجنا إلى تقدير جواب . وأما هنا فالهداية منهم لم تقع بعد ، فهي مستقبلة معنى ، وإن أبرزت في لفظ المعنى . [ قال ابن الخطيب : والآية تدل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء ، وتلك الهداية لا يمكن حملها إلا على الدلائل التي نصبها اللّه تعالى وكشف عنها ، وبين وجوه دلالتها ، ثم بيّن وجه الزجر وما يلحقهم إن تولوا ، فقال : « وإن تولوا فإنهم في شقاق » ] « 3 » . قوله : « فِي شِقاقٍ » خبر لقوله : « هم » ، وجعل الشقاق ظرفا لهم ، وهم مظروفون له مبالغة في الإخبار باستعلائه عليهم ، وهو أبلغ من قولك : هم مشاقّون ، وفيه : إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ [ الأعراف : 66 ] ونحوه .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في ب .